نخبة من الأكاديميين
530
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المترجِمين والعلماء كوّنوا فِرَقاً حول بني موسى وحول الكندي وحنين بن إسحاق . وأخيراً شكّل الجامع والمرصد والمشفى ، أمكنة ومؤسّسات عملت فيها مجموعات أخرى من الاختصاصيين . إنّ تنظيم الترجمة في تلك الحقبة يُظهر سِمَتَيْن مترابطتين وعلى قدر خاصّ من الأهميّة . فلقد جرت الترجمة على نطاق واسع ولم تقتصر على الكتابات ذات الهدف التطبيقي أي العملي فقط ؛ وقد حصل أكثر من مرّة أن أُعيد القيام بترجمات كانت قد حصلت في المرحلة الأولى أو في بداية المرحلة الثانية . فلقد تُرجِمت " أصول " أقليدس ثلاث مرّات ؛ وتُرجِم " المجسطي " على الأقل ثلاث مرّات . . . . هذه الإعادة للترجمة تجاوبت مع التغيير في معايير الترجمة كفِعل . بالمختصر ، أصبحت الترجمة فِعل أفراد ، ينتمون إلى مدارس ومجموعات متنافسة ؛ ولم تعد معايير الترجمة هي ذاتها ، ولم يعد المترجِم ما كان عليه طوال المرحلة الأولى ، فلقد أصبح ذا تكوين مزدوج ، من حيث اللغة ومن حيث العلوم والفلسفة . ولكن ، وقبل أن نفسّر هذا التطوّر ونتساءل عمّن يترجم وكيف يترجم ولماذا يُترجِم ، نبدأ بالإشارة إلى أنّ الترجمات لم تتبع ، لا نظاماً تعليميّاً ( أي أنّها لم تبدأ بالكتب الأسهل لتنتهي إلى الكتب الأصعب ) ولا تسلسلًا زمنيّاً ( يحترِم التعاقب الزمني للمؤلّفين اليونانيين ) . وبالتأكيد ، لم يكن هناك خطّة مسبقة موجِّهة للترجمة . هذا لا يعني أنّ هذه الترجمة جرت نتيجة لمصادفة اكتشاف هذا الكتاب أو ذاك . فلدينا شهادات عديدة من ذلك العصر تشير ، بالعكس ، إلى أنّه كان يتمّ اختيار المؤلَّف الذي ينبغي ترجمته ، قبل الشروع بالبحث عن المخطوطات الضروريّة للقيام بترجمته . فهكذا مثلَا ، قرّر حنين بن إسحاق ترجمة كتاب " البرهان " لجالينوس قبل أن يباشر البحث عن مخطوطات هذا المؤلّف « 1 » ؛ والأمر نفسه نجده عندما أراد بنو موسى ترجمة كتاب " المخروطات " لأبولونيوس « 2 » . كلّ هذه السمات التي اتّسمت بها الترجمة في مرحلتها الثانية تكشف عن ظاهرة بقيت خافِية لمدّة طويلة ، هي ظاهرة العلاقات الحميمة التي وَحَّدت الترجمة الكثيفة مع البحث النشيط والمُجدِّد . هذه الروابط هي ما يهمّنا بشكل خاصّ في بحثنا هذا . ج . نموذج مثالي للمترجِم : مسيرة حنين بن إسحاق . قبل أن نتفحّص هذه الروابط ، لنتوقّف قليلًا عند تشكُّلِ هذا الجيل الجديد من المترجِمين ، هؤلاء الذين سينقلون الاساسيّ من الإرث الفلسفي والعلمي اليوناني طيلة القرن التاسع للميلاد ، ولا سيّما خلال نصفه الثاني . خِلافاً لمعظم من سبقهم ، لم يكن هؤلاء المترجِمون ، لا هواةً يعرفون إحدى اللغات القديمة ، ولا أصحاب " صناعة " ( من أطبّاء أو خيميائيّين ) قادرين على نقل أحد الكتب التي تنتمي إلى مجال علمهم ، بلغة عربيّة تقريبيّة . فلقد بدأ عهد أضحوا فيه محترفين حقيقيّين ، لغويّاً وعلميّاً في آن . ونستطيع القول بأنّ حنين بن إسحاق « 3 » هو نموذج مثالي من هؤلاء المترجمين . إنّ الرواية التي وصلتنا عن سيرة حنين على قدرٍ كبير من الأهميّة ؛ فصحيح أنّها قطعة أدبيّة فيها الكثير من التلاوين ، تصف ما قد يكون حقيقية أو أسطورة ، إلّا أنّها في كلّ الأحوال تُظهِرُ السِمات المثاليّة لهذه المهنة الجديدة ( ولكنّ كلَّ شيىء يحمل على الاعتقاد بأنّ هذه المسيرة المثاليّة لحياة حنين ليست بعيدة عن الواقع التاريخي ) .
--> ( 1 ) هاكم ما يرويه حنين بن سحق عن واقعة حصلت معه ، عند بحثه عن مخطوط لكتاب " في البرهان " لِجالينوس : " هذا الكتاب جعله ( جالينوس ) في خمس عشرة مقالة وغرضه فيه أن يبيّن كيف الطريق في تبيين ما يُبَيَّن ضرورة وذلك كان غرض أرسطوطاليس في كتابه الرابع من المنطِق . ولم يقع إلى هذه الغاية إلى أحد من أهل دهرنا لكتاب البرهان نسخة تامّة باليونانيّة . على أنّ جبريل قد كان عُني بطلبه عناية شديدة وطَلبتُه أنا غاية الطلب وجُلتُ في طلبه بلاد الجزيرة والشام كلّها وفلسطين ومصر إلى أن بلغتُ الاسكندريّة فلم أجِد منه شيئاً إلّا بدمشق ، نحواً من نصفه ، إلّا أنّها مقالات غير متوالية ولا تامّة وقد كان جبريل أيضاً وجد منه مقالات ليست كلّها المقالات التي وجدت بأعيانها وترجم له أيّوب ما وَجد . وأمّا أنا فلم تطب نفسي . . " رسالة حُنَين إلى عليّ بن يحي ص . 47 من النصّ العربي في : Risalat Hunayn ila Ali Ibn Yahya , ed . G . Bergstrasser , Hunayn ibn Ishaq ber die Kunde syrichen und arabischen Galen - bersetzungen , Abhandlungen f r die Kunde des Morgenlandes XVII , 2 ( Leipzig . Deutsche Morgenlandische Gesellschaft , 1925 . يتّضح من هذه الشهادة أنّ ال - " بعثات " لم تكن تتوجّه فقط إلى بيزنطية ، إنّما إلى كلّ الإمبراطوريّة القديمة ؛ وأنّ الإسكندريّة كانت من بين المدن المقصودة بحثاً عن مخطوطات يونانيّة ، ؛ كما وأنّ مخطوط مؤلَّفٍ بهذه الأهميّة ، كان " بكلّ بساطة " موجوداً في دمشق ؛ وأنّ المترجِمين أنفسهم كانوا يذهبون بصورة مستقلّة عن البعثات الكبيرة ، كتلك التي أمر بها المأمون ، بحثاً عن مخطوطات ؛ وأخيراً ، أنّ معرفتنا بالترجمة من اليونانيّة إلى السريانيّة وإلى العربيّة لم تزل ، إلى الآن ، غير كافية . هذه الاستنتاجات تؤكّدها شهادة أخرى يجدر ذكرها هنا . فيروي يحيى ( يوحنّا ) بن البطريق ، عضو البعثة الشهيرة المُرسَلة من الخليفة المأمون إلى بيزنطية ، للبحث عن مخطوطات يونانيّة ، كيف تلقّى أمر الخليفة في البحث عن مخطوط " سر الأسرار " . قال المترجِم يوحنّا بن البطريق ما معناه : لم أدَع أيّاً من هذه الهياكل التي استودعها الفلاسفة أسرارَهم إلّا وذهبت إليه ؛ ولا أيّ كبيرٍ بين النسّاك ، والذي ازداد فطنة من خلال معرفته بهؤلاء ، والذي يمتلك ، باعتقادي ، ما ابحث عنه ، إلّا وذهبت لرؤيته ، حتى وصلت إلى الهيكل الذي بناه أسكلِبيوس لنفسه . قابلت فيه ناسكاً ورعاً ومتعبّداً ، ذا علم رفيع وذكاء حادّ . أظهرت تجاهه عطفاً ، بقيت في ضيافته ، واستخدمت الحيلة ، حتى أودعني الكتب الموضوعة في هيكله . من بين كتب أخرى وجدت الكتاب المنشود وهو ضالّتي ومطمعي ( تحقيق أ . بدوي ، Fontes Graecae doctrinarum politicarum islamicarum [ القاهرة ، 1954 ] ، ص . 69 ) . ( 2 ) ر . راشد ، R . Rashed : Les Mathematiques infinitesimales du IXe au XIe siecle , vol . III : Ibn al - Haytham , Theorie des coniques , constructions geometriques et geometrie pratique , ( London , al - Furq ع n Islamic Heritage Foundation , 2000 ) , chap . I . ( 3 ) أنظر غ . برغرستراس ، G . Bergstr ن sser : Hunain ibn Ishaq ber die Kunde syrischen und arabischen Galen - bersetzungen , Abhandlungen f r die Kunde des Morgenlandes XVII , 2 ( Leipzig , Deutsche Morgenlandische Gesellschaft , 1925 ) . أنظر كذلك جورج قنواتي وأ . ز . إسكندر ، G . C . Anawati et A . Z . Iskandar : " Hunayn ibn Ishaq " , Dictionary of Scientific Biography ( 1978 ) , vol . XV , Suppl . I , pp . 230 - 248 .